ابن الجوزي
128
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
يحيى بن عبد الله بن حسن فلا تصدّقه ، وذلك أن الرشيد دفع يحيى إلى جعفر فحبسه ، ثم دعي به ليلة من الليالي فسأله عن شيء من أمره فأجابه إلى أن قال له : اتّق الله في أمري ولا تتعرض أن يكون خصمك غدا محمد صلَّى الله عليه وسلَّم ، فوالله ما أحدثت حدثا ، ولا آويت [ 1 ] محدثا . فرقّ له وقال : اذهب حيث شئت من بلاد الله . قال : وكيف أذهب ولا آمن أن أؤخذ بعد قليل . فأردّ إليك أو على غيرك . فوجّه إليه من أداه إلى مأمنه . وبلغ الخبر الفضل بن الربيع من عين كانت له عليه من خاص خدمه ، فدخل على الرشيد فأخبره ، فأراه أنه لا يعبأ بخبره وقال : ما أنت وهذا ، لا أمّ لك ، فلعل ذلك عن أمري . فانكسر الفضل ، وجاءه جعفر فدعا بالغداء فأكلا ، وجعل يلقمه ويحادثه ، إلى أن كان آخر ما كان بينهما أن قال : ما فعل يحيى بن عبد الله ؟ قال : بحاله يا أمير المؤمنين في الحبس الضيق والأكبال الثقيلة . فقال : بحياتي ! فأحجم جعفر ، وكان من أرق الخلق ذهنا ، وأصحهم فكرا ، فهجس في نفسه أنه قد علم بشيء من أمره ، فقال : لا وحياتك يا سيدي ، ولكن أطلقته وعلمت أنه لا حياة به [ 2 ] ، ولا مكروه عنده . قال : نعم ما فعلت ، ما عدوت ما كان في نفسي . فلما خرج أتبعه بصره / حتى كاد يتوارى عن وجهه ، ثم قال : قتلني الله بسيف الهدى [ 3 ] على عمل الضلالة إن لم أقتلك . فكان من أمره ما كان [ 4 ] . وقال إدريس بن بدر : عرض رجل للرشيد فقال : نصيحة ، فقال لهرثمة : خذ إليك الرجل وسله عن نصيحته . فسأله فأبى أن يخبره وقال : هي سر من أسرار الخليفة . فأخبر هرثمة الرشيد [ 5 ] فقال له : لا تبرح بالباب [ 6 ] حتى أفرغ له . فلما كان في الهاجرة ، وانصرف من كان عنده ، دعا به ، فقال : أخلني . فالتفت هارون إلى بنيه فقال : انصرفوا يا فتيان . فوثبوا ، وبقي خاقان وحسين على رأسه ، فنظر إليهما الرجل فقال : تنحيا عنا . ففعلا ، ثم أقبل على الرجل فقال : هات ما عندك . فقال : على أن تؤمنني . قال : على
--> [ 1 ] في الأصل : « أديت » . [ 2 ] في ت : « لا حياء به » . [ 3 ] في الأصل ، وت : « بسيف الهدى » . وما أثبتناه من الطبري . [ 4 ] تاريخ الطبري 8 / 289 . والكامل لابن الأثير 5 / 327 ، 328 . [ 5 ] في الأصل : « فأخبر الرشيد هرثمة » . [ 6 ] خطأ من الناسخ ، وقد وضح الناسح علامة التقديم والتأخير .